البخاري

تصدير 103

صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )

فقهاء الرأي في بخارى - فهيّجوا الفتنة حول البخاري ، وتكلّموا في مذهبه ، وكان بعد ذلك ما كان . لقد تذرع خالد هذا بما أثارته شرذمة الضلال ، فنفى البخاري عن بلده ؛ ولعله لم يصادف في حياته أشدّ إيلاما لنفسه من هذا القرار ؛ فما كان التجاؤه إلى نيسابور أولا ، إلّا ضرورة استدفع بها شرّ الإقامة بين هؤلاء الناس ، ولا كانت عودته إلى بخارى إلّا ضرورة ثانية ، ركب فيها الصعب من أمره ، وقبل بها ما كره من قبل ، وربما كانت مبالغة البخاريين في الحفاوة به حين استقبلوه ، قد أخلفت ظنّه السابق فيهم ، وأحيت أمل نفسه في أن تهدأ به الحال بينهم ، وأن يطيب عيشه معهم ، فإذا هو يفاجأ بفتنة أخرى تسلبه ما رضى به كارها ، وتدبر له حيلة تزلزل أمنه ، وتزعزع استقراره ، وهو أحوج ما يكون إلى هدوء النفس واطمئنان البال . وما أدنأ الحيلة إذا كانت تقولا وافتراء ، يثلم به الرجل في عقيدته ، وهو قريب من لقاء اللّه ، وما أمضّه على النفس ، وما أقساه من أمر ، أن يلتحم هذا التقول الفاجر ، بهوى السلطان الجائر ، ليصبح الرجل منفيا عن وطنه ، محروما من أهله . ولذلك استسلم البخارىّ ، وخرج مضعضع النفس ، كسير القلب ، خرج موقور الظهر بأساه ، ولا حول له إلّا أن يستنصر باللّه ، وأن يرفع دعواته إلى السماء ، وقد صرخت من شدة الظلم ، فانتصر له اللّه ، وارتدّت ، دعواته على هؤلاء الناس سهاما تقصم الظهور .